EN
السيرة التاريخية للنقابة

من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإنجاز

  1. نقابة المعلمين الأردنيين، صرح وطني شامخ، معقودٌ بأشرف مهنةٍ عرفتها البشرية، مهنةَ الأنبياء والمرسلين، مهنةَ التربية والتعليم ( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
  2. تأسست أول نقابة للمعلمين الأردنيين في مطلع خمسينيات العام الماضي، برئاسة الأستاذ عبد خلف داوودية. إلا أنها ما لبثت أن اجتاحها قرار الحل في عام 1956, شأنها شأن بقية النقابات المهنية، في الوقت الذي جرى فيه حل الأحزاب السياسية وحظر أنشطتها.
  3. لم يدم قرار حل النقابات طويلاً ، إذ سرعان ما تم التراجع عن قرار حل النقابات، بل وتأسست نقابات أخرى جديدة، باستثناء نقابة المعلمين مما ترك المعلمين دون إطار ينظم شؤونهم ويرتقي بمهنتهم ويدافع عن قضاياهم .
  4. طالب المعلمون وألحوا في المطالبة بنقابتهم، واجتهدوا مراراً في محاولات متعددة لاستعادة حقهم في نقابة أسوة بباقي النقبات، إلا أن طلبهم كان وفي كل مرة يواجه بالرفض، المغلف بهاجس يدوّي أن نقابة المعلمين خط أحمر، وأن دونها خراب الدولة!ً لذلك فقد تم الزج بعدد من المعلمين في السجن بعد أن هموا بتشكل لجنة تحضيرية لإنشاء النقابة عام 1975 .
  5. في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم، انطلق حراك جديد للمطالبة بالنقابة، ذو طابع حزبي، قوامه معلمون من مشارب شتى، مستفيداً من نسائم الديمقراطية والحرية. هذه المرة استخدمت الحكومة سلاح الدستور لإحباط المحاولة، فقد أفتى المجلس الأعلى لتفسير الدستور بواقع خمسة مقابل أربعة أعضاء بأن المعلم موظف رسمي، ولا يحق لمن في السلطة التنفيذية تشكيل أي إطار نقابي، حسب المادة 120 من الدستور!!
  6. هناك أدرك الجميع أن النظام جاد في منع المعلمين من الوصول إلى نقابة لهم وتحت أية ذريعة. رغم قناعة الجميع أن المعلم بالذات أحق من باقي المهن من أن تكون له نقابة تعنى به، وتدافع عن حقوقه، وتطور له مهنته، وتعمل بشكل موازٍ على حل عدد من القضايا التي تهدد قطاع التربية والتعليم إن بقي الأمر بيد الوزارة وأذرعتها المختلفة؛ حيث تحتكر كل قرار يمس المعلم أو التعليم.
  7. لم يتوقف التفكير لدى المعلمين لحظة عن رغبتهم وحاجتهم لنقابة لهم، طالما أنهم يتنادون قبل شروق كل شمس لأداء واجبهم المقدس، فهمسوا ولمحوا وصرحوا في مجالسهم بهذا الحق المسلوب، والذي لن يضيع بالتقادم أو بمرور السنوات، حتى لو بلغت 53 عاما من الانتظار والحرمان المتعمد.
  8. في الثلث الأول من العام 2010 وبالتحديد في 6/3/2010, تواعد عدد بسيط من المعلمون، وبمبادرة فردية، للاجتماع في نادي معلمي عمان. لم يكن يعلم أحد منهم أن هذا الاجتماع سيسجله التاريخ بأنه الانطلاقة المظفرة والمحاولة الناجحة لتحقيق مطلب المعلمين في نقابة لهم.
  9. بعد اسبوع تداعى المعلمون المبادرون إلى الاجتماع الثاني، إلا أنهم وجدوا أن عددهم تضاعف مما رفع سقف الطموح والمطالب، فقرروا أن ينتظم اجتماعهم في الأسبوع الذي يليه في نفس المكان.
  10. تنادى المعلمون لموعدهم ففوجئوا بإغلاق أبواب النادي بأمر من وزارة التربية والتعليم فأوصدت أبواب نادي المعلمين في وجوه أصحابه ومنعوا من دخول ناديهم !!!
  11. أمام هذا التصرف غير المسؤول، استجمع المعلمون كل معاني الاتزان، تلمسوا جراحاتهم القديمة، وهم ينظرون إلى الباب المغلق، وألم الظلم يعتصرهم، فاستحضروا محاولات ونضالات من سبقوهم، ثم هتفوا بكل تلقائية " نريد نقابة للمعلمين".
  12. و بعد أيام معدودة من إغلاق النادي بوجه المعلمين، تناقلت وسائل الإعلام كلمات تُعَدّ الأسوء من أعلى مسؤول في هرم التربية والتعليم؛ حيث خاطب وزير التربية والتعليم الدكتور (إبراهم بدران) المعلمين باستخفاف بأن " يحلقوا ذقونهم وينتبهوا لملابسهم قبل أن يطالبوا بنقابة لهم" !
  13. نزلت هذا الكلمات على المعلمين كالصاعقة، فقد كانت الأسواء في تاريخهم ، خاصة وأنها جاءت على لسان من يفترض به أن يكون راعيا لشؤونهم والمدافع عن حقوقهم وهيبتهم، كما رأوا فيها إهانة للمعلم الذي تم امتهانه عبر سنوات عجاف، دون العمل على استعادة هيبتهه، مما جعل شريحة المعلمين الشريحة الأضعف مكانة في المجتمع من حيث النظرة والاعتبار والدخل!
  14. انتشر كلام الوزير بين معلمي المدارس، فامتنعوا عن دخول صفوفهم، ثم خرجوا محتجين عند أبواب المدارس بشكل عفوي، ولم تمضِ ساعة إلا و عمّ التجمهر الاحتجاجي مديريات التربية في المحافظات بعد أن تواصلوا مع بعضهم، وتعاهدوا أن لا تمرّ هذه التصريحات دون محاسبة لمن أطلقها!
  15. استمرت الاعتصامات والمسيرات لأيام، تشتد في المحافظات، ولكنها كانت محدودة في المدن الرئيسية.
  16. لم تكن الاعتصامات والمسيرات في ذلك الحين من الأمور المسموحة، بل كان القانون يحظرها، بل ويغلظ التهديد لمن يشارك فيها، إلا أن الوضع بالنسبة للمعلم كان فوق التحمل؛ لذلك خرجت هتافات تمثلت في المطالبة بإقالة الوزير أولاً ثم الاعتذار عبر نفس المنبر الذي وجه الإهانة منه للمعلم.
  17. تحت وطأة الضغط ومع استحضار ما جرى في هبة نيسان عام 1989, قدّم الوزير الاعتذار أخيراً، لكنه اعتذار باهت مما زاد الطين بلة؛ قال إنه يعتذر "عبارات أسيئ فهمها " !!!
  18. بقي وضع المعلمين في المحافظات مشتعلاً، توقف عن التعليم، واعتصامات أمام المديريات لا تتوقف، بل ومبيت على أبوابها ليلاً.
  19. رئيس الوزراء استدعى عددا من المعلمين محاولاً تهدئة الموقف، إلا أن المعلمين كرروا شروطهم بضرورة إقالة الوزير، واعتذار الحكومة، وتحسين ظروف المعلم ، ثم أضافوا مطلبهم الذي قلب الطاولة؛ نريد نقابة للمعلمين.
  20. العقلية الحكومية في ذلك الحين لم تكن معتادة إلا على أن تامر هي وعلى الآخر أن يطيع، فكان من الطبيعي أن ينتهي الاجتماع بالفشل مع إصرار المعلم على مطالبه التي اعتبرها حقاً حان وقته، وأمام حكومة وجدت نفسها أمام سابقة، ظنت أنها تستطيع تجاوزها، لكن هيهات هيهات ... فخصمها الآن هو المعلم وما أدراك ما المعلم.
  21. استمرت الفعاليات وتصاعدت، وبدات بعض المدارس في المدن تنضم لما سمي بحراك المعلمين، وبدا التواصل المحدود بين النشطاء من المعلمين على مساحة المملكة.
  22. في 23/3/2010 , وخلال اجتماع الملك عبد الله الثاني مع رؤساء تحرير عدد من الصحف الرسمية، عرج على موضوع المعلمين فقال إنه «مهما فعلنا فلن نوفي المعلم حقه»، مبينا ان توجيهاته للحكومة» دائما هي عمل اقصى ما تستطيعه من اجل تحسين ظروف حياة المعلمين، وتوفير السكن الكريم وتحسين الرواتب وتقديم كل ما تسمح به الامكانات لتلبية احتياجاتهم». حراك المعلمين أعدّ هذا التصريح شيئا من رد الاعتبار للمعلم، وخاصة أنهم أدركوا أن رئاسة الوزراء قد أوصدت الباب أمام مطلبهم،ولم تكترث لهم، وأن كلمات الملك اعترافاً بمكانتهم وأنها تصلح لأن يرتكزوا عليها، وشرعية لهم للمطالبة بالنقابة كحق سلب منهم.
  23. آثرت تصريحات الملك على المشهد؛ فتوقفت الإضرابات والاعتصامات، وعاد المعلمون إلى صفوفهم، لكن الاجتماعات واللقاءات فيما بينهم لم تتوقف. بل وكانت فرصة للمعلمين بأن يطوروا بعض اللجان التي أسسوها خلال الإضرابات، ويستحدثوا لجانا جديدة، ويشقون طريقهم عبر النوافذ الإعلامية ويوظفون المتاح منها لنشر قضيتهم.
  24. ومع كل يوم يمرّ، يظهر المعلمون أكثر تنظيماً وانتشاراً وإبداعاً , وكان من هذا الإبداع أن قرر معلمو الجنوب عقد مؤتمر للمعلمين في مدينة الكرك بتاريخ 16/4/2010 دعيت له حراكات المعلمين من جميع أنحاء المملكة ، والتي بلغت 42 حراكاً ، اجتمعوا على أفضل ما يكون الاجتماع والتنسيق، وتوافقوا على مطالب عديدة، على رأسها إحياء نقابة المعلمين الأردنيين والتعاهد على تحقيق هذا المطلب مهما بلغت الصعوبات والتضحيات.
  25. انبثق عن مؤتمر المعلمين تشكيل لجنة مركزية سميت (لجنة 42 ) تختص في إدارة شؤون الحراك، ولجنة مصغرة للحوار سميت لجنة 12+1 للتفاوض مع أية جهة.
  26. ظهر حينها حراك المعلمين مؤسسيا ممتدا على مساحة المملكة وغاية بالتنظيم ولم يعد فردياً أو مناطقياً، رآى أن الحكومة لم تعطي أي إشارة من قريب أو من بعيد ولم تتفاعل مع مطالب الحراك، فقرر المعلمون تسخين الأجواء وتحديد موعد 30/5/2010 مهلة للحكومة لتحقيق مطالب المعلمين ... وإلا فالإضراب الشامل وعلى مستوى المملكة.
  27. حدث ما كان متوقعاً، كان الصمت هو رد الحكومة فلا جواب ولا اكتراث لغضب المعلمين، كان المعلمون صادقين وفـّوا بوعدهم وكانوا عند كلمتهم، وبدأ الإضراب الشامل الذي التزم به الغالبية العظمى من المدارس.
  28. شل الإضراب غالبية المدارس، وتعددت الوقفات؛ حيث بلغت أشدها في اعتصام مهيب أمام رئاسة الوزراء بتاريخ 2/6/2010.
  29. بدأت الأمور تشتد والتوتر يتزايد، وحبس الجميع أنفاسهم مع اقتراب موعد امتحانات الثانوية العامة إلا أن وزارة التربية فكرت في كل شيء إلا أن تحقق للمعلمين مطالبهم، هددت وتوعدت وقامت بالتحشيد الإعلامي وجيشت أولياء الأمور، وشيطنت المعلمين وحراكهم، بل وأعلنت أنها ستلجأ للقوات المسلحة في سبيل عقد إمتحان الثانوية العامة!!
  30. في هذه المرحلة وصل المعلمون إلى قناعة تامة بأنّ الحكومة مستعدة لأن تضحيَ بالطلبة إن استدعى الأمر على أن تعطي الدنية وتتجاوب مع المعلمين بتأسيس نقابة لهم أسوة بباقي المهن!!
  31. في هذه اللحظة الفارقة قرر المعلم أن يعض على جرحه ويوقف الإضراب ليثبت للمرة الألف أنه الطرف الأعقل، وأنه إن تعارضت مصالحه مع مصالح الطلبة والمجتمع فلا بأس أن يؤخر مصالحه, حتى مع قناعة المعلم بأن وجود نقابة للمعلمين تصب في مصلحة الطلبة والمجتمع والوطن .
  32. صدر بيان بتاريخ 7/6/2010 عن لجنة 42 يقضي بوقف الإضراب لإفساح المجال لأجل التوجيهي, وتأجيله لبداية العام الدراسي القادم ( 14/9/2010) مع إبقاء الاعتصامات.
  33. في 13/7/2010 اتخذت الحكومة إجراءات وصفت "بالتعسفية" ، أثرت على عشرات المعلمين ما بين إحالة على الاستيداع، ونقل تعسفي،
  34. هذا القرار العرفي أصاب المعلمين بخيبة أمل، لقد توقعوا أن لا تأتي النقابة لهم على طبق من ذهب، لكن لم يخطر ببالهم أن الوزارة ستحارب المعلمين في أرزاقهم لمنعهم من تحقيق مطلبهم، خاصة وأنهم سعوا لها بمنتهى السلمية والتحضر، وضربوا أروع مثال في مراعاة ظروف الوطن واحتياجات الطلبة.
  35. اتخذ المعلمون قرارهم بأن لا يسمحوا للملل أو الضعف أن يتسرب إلى نفوسهم، وأنهم لن يتراجعوا عن مطالبتهم بنقابة للمعلمين، وبنفس النهج السلمي والحضاري الذي بدأوا به. كما قرروا التصعيد قضائياً من أجل ثني الحكومة ودفعها للتراجع عن قرارها. استمرت الاعتصامات والتلويح بالتصعيد والإضراب عن التعليم مع مطلع العام الدراسي في حالة عدم إعادة المعلمين المفصولين أو المنقولين أو المحالين على الاستيداع.
  36. قيل قديما:( (الحاجة أم الاختراع) فقد أبدع المعلمون في وسائل التعبير والاحتجاجات خلال هذه الفترة، قاموا بتنفيذ مسيرة مشياً على الأقدام من عمان إلى الكرك بتاريخ 27/7/2010 , بما عرف عنه بمسيرة " أدما " , نسبة إلى المعلمة أدما زريقات إحدى المحالات على الاستيداع، شارك فيها أعداد غفيرة من المعلمين، واستقبلها أهالي الكرك استقبالا مرموقا ومتميزا.
  37. في ذلك التاريخ حدث التعديل الوزاري في حكومة سمير الرفاعي؛ حيث خرج الدكتور إبراهيم بدران من التشكيلة الوزارية، ودخل الدكتور خالد الكركي في تشكيل الحكومة الجديدة وكان وزيراً للتربية والتعليم.
  38. استمر المعلمون بفعالياتهم النوعية، وعلى جميع المستويات، وكان منها مسيرة الشموع على الدوار الرابع في إحدى أمسيات شهر رمضان المبارك بتاريخ 30/8/2010, كما استمروا بعقد الاجتماعات تلو الاجتماعات متوعدين ببداية ساخنة للعام الدراسي القادم إن لم يعد المعلم المفصول والمحال على الاستيداع والمنقول إلى عمله.
  39. في بادرة لتبريد الأجواء في 6/9/2010 ، قبل أيام من بداية العام الدراسي قررت الحكومة إلغاء جميع قرارات الاستيداع والنقل، ووجهت دعوة إلى المعلمين الذين وقع عليهم القرار التعسفي أن يعودوا إلى مواقع عملهم.
  40. لم يبدأ العام الدراسي 2010/2011 هادئاً كما كان متوقعاً، فعلى الرغم من أن معظم المعلمين الذين تعرضوا للإجراءات التعسفية قد عادوا إلى مواقعهم، إلا أنه لا إشارات إيجابية حول المطلب الأساسي، وهو نقابة المعلمين؛ لذلك قرر المعلمون منح الحكومة مهلة قبل أن يجددوا برنامجهم التصعيدي والمقرر في نهاية أكتوبر 2010.
  41. اعتمد المعلمون مبدا الحوار مع الحكومات المتعاقبة، إلا أنهم أوصدوا باب الحوار مع وزير التربية السابق الدكتور إبراهيم بدران الذي يتهمه المعلمون بالإساءة إلى المعلم . عقد لقاء بين لجنة المعلمين المكلفة بالحوار مع وزير التربية والتعليم الدكتور خالد الكركي بتاريخ 17/10/2010 وفي هذا اللقاء حرص الدكتور الكركي على التصريح بتعاطفه مع إنشاء النقابة، على اعتبار أنها حق مشروع للمعلمين، إلا أنه بين لهم أن الموضوع فيه عقبة دستورية لا يمكن تجاوزها إلا من خلال عرض الموضوع على مجلس النواب، الجهة المخولة بتعديل الدستور، وعلى اعتبار أن المجلس غير قائم في ذلك الحين بعد أن تم حله ولم يكمل العامين، فلا مفر من الانتظار لحين انتخاب مجلس نيابي جديد ومن ثم الضغط عليه.
  42. بهذه الطريقة , نقل الكركي ـ المعروف بدبلوماسيته ـ المشكلة من ملعب الوزارة والحكومة إلى ملعب التشريع وسلطته المتمثلة في مجلس النواب.
  43. التقط المعلمون الرسالة، لكنهم أيضاً حرصوا على أن لا يظن أحد أنهم تنازلوا عن سلاحهم الأمضى في تحقيق غايتهم، وهو الإضراب والاعتصام، وتوحيد الصف والإصرار على المطالب العادلة والتعبير بطرق حضارية. ويرى الجميع أن لولا هذه الطريقة الحكيمة والذكية والمبادرة في إدارة الأمور لما تحقق للمعلم ما أراد.
  44. بمجرد أن بدأت إرهاصات الانتخابات للمجلس النيابي السادس عشر، وإعلان عدد من المواطنين رغبتهم في الترشح، بدأ المعلمون التواصل مع المرشحين، بل إن مناطق بأكملها كان المعلم هو العنصر الأساس في إدارة الحملة الانتخابية للمرشحين، وتم أخذ مواثيق الشرف من المرشحين بأن تكون "إنشاء نقابة المعلمين" على رأس مطالبهم إذا نجحوا.
  45. بمجرد أن تمت الاتخابات بتاريخ 9/11/2010 انطلق المعلمون للتواصل مع الفائزين من المرشحين الذين أصبحوا نواباً ، إلتزم النواب بوعودهم للمعلمين؛ ففي جلسات نيل الثقة بحكومة سمير الرفاعي المكلفة في منتصف شهر 12/2010 قام عدد من النواب بتضمين كلماتهم أمام الحكومة المكلفة ( حكومة سمير الرفاعي الثانية ) مطلب إنشاء نقابة للمعلمين شرطاً لمنح الثقة بالحكومة.
  46. وهنا حدثت المفاجأة التي صدمت النواب والمعلمين؛ حيث قطع رئيس مجلس النواب آن ذاك فيصل الفايز كلمات النواب وأعلن أن " إنشاء نقابة للمعلمين أمر غير دستوري، والمطالبة بها يتناقض مع قسم النواب قبل أيام بأنهم سيحترمون الدستور؛ لذلك محظور عليهم أن يضمنوا ذلك المطلب في كلماتهم" !!
  47. نالت حكومة سمير الرفاعي الثقة بالنسبة الشهيرة (111) , لكن بعد ذلك بأيام معدودة حصل ما لم يكن بالحسبان وتغيرت الأحوال...
  48. انطلقت الشرارة من سيدي بوزيد، وفر الرئيس التونسي ، ثم بدأت ثورة مصر .
  49. هذه الأحداث كلها جعلت الشارع الأردني من شماله إلى جنوبه ينهض متأثراً بما يدور من الأحداث الغاية في التسارع من حوله. قام النظام بخطوة إستباقية؛ وذلك من خلال الطلب من دولة سمير الرفاعي تقديم استقالة حكومته بعد أقل من شهرين من عمرها، وتكليف الدكتور معروف البخيت بتشكل الحكومة بتاريخ 1/2/2011.
  50. وكانت المفاجأة التالية, رئيس الوزراء المكلف دولة الدكتور معروف البخيت يضمن في بيانه المقدم لمجلس النواب لنيل الثقة على أساسه "أنه مع إنشاء نقابة للمعلمين وتحسين ظروف التعليم". أي أن ما كان "محظوراً " على النواب والسلطة التشريعية قوله والمطالبة به أصبح في لحظة " مباحاً " وعلى لسان رأس السلطة التنفيذية !!!
  51. لم يكن هذا محض مصادفة، أو مكرمة أو منحة، بل هو الخوف من أن يندمج ويتَحِد الحراك الشعبي المتأجج منذ انطلاق الربيع العربي مع حراك المعلمين الذي سبق الحراك الشعبي بعدة أشهر، وبلغ أوج نضجه من حيث إلتفاف المعلمين وتراكم الخبرات.
  52. وكما أن المعلمين قد حفظوا جيداً الدرس الذي توارثوه على مدى ما يزيد عن 50 عاماً، بأن لا ينصاعوا للضغوط ،هم أيضاً ـ وبذات الوقت ـ حفظوا الدرس بأن لا يركنوا للوعود !!! وأن الوعد بإقامة النقابة لا يكفي إن لم يتبع هذا الوعد والكلام أفعال حقيقية على أرض الواقع، وخاصة أنه لم تلح لهم أية دلائل بهذا الشأن !!! لذلك أعلنوا عن نيتهم تنفيذ إضراب للمعلمين بتاريخ 27/2/2011 في حال تلكؤ الحكومة في تنفيذ وعدها الذي نالت على أساسه الثقة من النواب.
  53. سارعت دولة البخيت بعقد اجتماع مع لجنة المعلمين المكلفة بالحوار، وأوعز في لحظتها لوزير العدل بأن يتخذ إجراءات توجيه سؤال للمجلس الأعلى لتفسير الدستور بالسرعة الممكنة لتجاوز المانع الدستوري.
  54. هناك قرر المعلمون تأجيل الإضراب إلى 20/3/2011 لمنح الحكومة فرصة لمخاطبة المجلس الأعلى لتفسير الدستور.
  55. بتاريخ 13/3/2011 وبطلب من الحكومة، وافق مجلس النواب على إرسال طلب إلى المجلس الأعلى لتفسير الدستور لإعادة الإفتاء بدستورية نقابة المعلمين.
  56. وعلى الرغم من أن المعلمين قد تيقنوا أن الطلب أصبح في يد المجلس الأعلى لتفسير الدستور، إلا أن ذلك لم يمنعهم من تنفيذ إضرابهم الواسع بتاريخ 20/3/2111, دعماً لمطلبهم والتأكيد على أنهم لن يتراجعوا.
  57. وأخيراً تحقق الحلم في 24/3/2011 اجتمع المجلس الأعلى لتفسير الدستور وأجاز إصدار قانون لإقامة نقابة المعلمين، مستنداً إلى المادة 16 من الدستور.
  58. أجيزت النقابة دستورياً بعد أن حظرت دستورياً ومن خلال مواد الدستور نفسه ... ترى كم فقد الوطن خلال الحظر الدستوري أو الحظر العرفي لنقابة المعلمين ؟؟!!!!
  59. بمجرد زوال المانع العرفي والدستوري, شرعت وزارة التربية والتعليم بالتشاور مع المعلمين بإعداد مشروع قانون نقابة المعلمين، ووضعت اللمسات الأخيرة عليه بعد التحفظات الخاصة بالإلزامية وطريقة التمثيل. وتم رفعه إلى مجلس الوزراء والذي قرر بتاريخ 31/5/2011 عرضه على الجلسة الاستثنائة المفترض عقدها في مطلع شهر تموز 2011.
  60. في 31/5/2011 قرر مجلس الوزراء الموافقة على مشروع قانون النقابة، ثم تم رفعه بتاريخ 6/7/2011 ليتم مناقشته في الدورة الاستثنائية لمجلس النواب.
  61. توالت المناقشات في مجلس النواب، ولم يقف المعلمون ساكنين في تلك اللحظات المصيرية والحساسة، بل استمروا بالضغط والتأثير على النواب بالطريقة التي ضمنت بالنهاية إقرار مشروع القانون بتاريخ 24/7/2011 .
  62. وأخيراً.. وبتاريخ 15/9/2011 صدر قانون نقابة المعلمين الأردنيين للعام 2011 ونشر في الجريدة الرسمية بعد صدور الإرادة الملكية .
  63. بمجرد ذلك التاريخ تم تشكيل لجنة في وزارة التربية والتعليم خاصة بوضع الأنظمة واللوائح والعضوية، وما أن فرغت من أعمالها إلا وقد حان موعد القطف الحقيقي للثمرة. فبتاريخ 29/3/2012 بدأت انتخابات هيئات فروع النقابة؛ حيث شارك في تلك الانتخابات نحو 105 آلاف معلم ومعلمة لانتخاب 286 عضوا يمثلون الهيئة المركزية وهيئات الفروع.
  64. وفي 13/4/2012 تمت إنتخابات مجلس نقابة المعلمين، وعقد أول اجتماع له بتاريخ 19/4/2012
  65. يجمع الكثير ممن عاش قصة المعلم ونقابته على أن نجاح المعلمين في تأسيس نقابتهم واسترداد حقهم هو الحدث الأهم على الإطلاق في تاريخ الأردن، وأن هذا الإنجاز الكبير كان نتيجة توفيق الله عز وجل، ثم تكاتف المعلمين وإصرارهم إضافة إلى جهود المخلصين وتعاون المجتمع بكافة أطيافهم ومؤسساتهم .
  66. هنيئاً للمعلم الأردني إنجازه الرائع، الذي يستحقه بجدارة، وإلى الأمام نحو تنفيذ رسالة النقابة السامية ، التي ستدر الخير على المعلم وعلى الوطن بأسره.